في هذا المقال الذي أعتبره نافذتي الأولى للكتابة، قررت أن أعود بالزمن إلى الوراء لأسرد لكم القصة الحقيقية لتأسيس فريق RIADRIDER. هذا الكيان الذي يُعتبر اليوم أول وأكبر فريق دراجات نارية وطني في الجزائر، يضم مئات الأعضاء ويجوب كافة أنحاء الوطن. ولكن، قبل أن أتحدث عن الحاضر، يجب أن نعود إلى الجذور.. إلى منتصف القرن الماضي، حيث بدأت الحكاية.
الجذور.. شغف وُلد من رحم المعاناة
والدي، من مواليد العاصمة عام 1942، كان يحمل في قلبه حباً وشغفاً كبيرين لعالم الدراجات النارية. في فترة شبابه، وتحت وطأة الاستعمار الفرنسي، كانت ظروف العائلات الجزائرية قاسية جداً، وكان شراء دراجة نارية أشبه بحلم بعيد المنال. لكن جدي أدرك هذا الشغف في عيني ابنه؛ وفي أحد الأيام، وأثناء مروره بمتجر يملكه مُعمر فرنسي، قرر أن يدخل الفرحة إلى قلب والدي، فاشترى له دراجة نارية بسعة 500 سنتيمتر مكعب بالتقسيط.
كانت تلك الدراجة هي الأولى التي يقودها أبي. وبمرور الوقت، ازداد تعلقه بهذا العالم، فأصبح يتاجر في الدراجات وتعلم أسرار صيانتها وميكانيكا محركاتها. من هنا، بدأت الجينات تتشكل.
الطفولة.. الكيلومترات الأولى نحو المجهول
في سن مبكرة، وقبل أن ألتحق بالمدرسة عام 1979، اشترى لي والدي دراجة هوائية مخصصة للسباق. كانت تلك الدراجة بوابتي الأولى لعالم الميكانيك والمغامرة. كنت أقودها خفية عن والدتي، مبتعداً عن المنزل لمسافة كيلومترين أو ثلاثة.. مسافة كانت تبدو لي حينها إنجازاً عظيماً. في كل مرة كنت أزيد المسافة، ولم أكن أدرك أن تلك الكيلومترات هي التي ستدخلني لاحقاً إلى عالم الترحال المفتوح.
بعد عامين، وفي سن الثامنة، التحقت بصفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية. مكوثي الطويل هناك قادني لأصبح قائداً كشفياً أدير مجموعات من الأطفال. تلك المرحلة كانت القفزة الحقيقية؛ علمتني القيادة منذ الصغر، صقلتني بالتخييم البري، وعلمتني الصبر والاندماج مع مختلف فئات المجتمع.
الشرارة.. وانتقال الإرث
في منتصف الثمانينيات، كان إخوتي الأكبر سناً يمتلكون دراجات نارية بسعة 50 سنتيمتر مكعب. عندما نال أحد إخوتي شهادة البكالوريا وانتقل للدراسة في جامعة بومرداس، أهداني دراجته النارية.
"لو لم يكن والدي دراجاً بالفطرة، لما فكر يوماً في شراء تلك الدراجات لإخوتي.. ومن هنا، تحولت من طفل مهووس بالدراجات الهوائية إلى شاب يعشق الدراجات النارية بكل جوارحه."
أصبحت كالمجنون بهذا العالم. كنت أسهر حتى الرابعة صباحاً أُعدّل وأُحسّن من أداء دراجتي للحصول على أفضل استجابة، خاصة بعد تخرجي كفني صيانة ميكانيكية من أحد معاهد ولاية البليدة. تدرجت من دراجة إلى أخرى بأحجام وقوة أكبر، وشاركت في مسابقات محلية بمسارات خطيرة، أبرزها طريق الشريعة الجبلي الوعر الذي فقدنا فيه بعض الرفاق. استمر هذا الشغف الجارف حتى توقفت مؤقتاً عند دخولي القفص الذهبي عام 1999.
العودة.. وميلاد الترحال الوثائقي
في عام 2006، أدركت أنني لا أستطيع العيش بعيداً عن هذا الشغف. اشتريت دراجة من نوع "ليفان 110cc"، وبدأت أدخل عالم الترحال تدريجياً. جُبت الجزائر شرقاً وغرباً، وأكملت 6 جولات كاملة حول الوطن، وكانت بعض الرحلات تبعدني عن عائلتي لأكثر من شهر.
في عام 2009، قررت أن أوثق هذا الرصيد. افتتحت قناتي على يوتيوب، وكنت من أوائل الجزائريين في هذا المجال. العجيب في الأمر أنني بدأت التوثيق بهاتف "سوني إريكسون W995" بجودة 3.2 ميغابكسل فقط! لم أنتظر المعدات الفاخرة لأبدأ. تدريجياً، طورت معداتي إلى "GoPro 2"، واستمررت في التوثيق منفرداً.
ميلاد الكتيبة.. حينما أراد الله أن نكون جماعة
نهاية عام 2020، كانت نقطة التحول. قرأت تعليقاً من متابع يُدعى "وليد" يطلب فيه مرافقتي في رحلة. ورغم ترددي في البداية لكوني معتاداً على السفر وحيداً، وافقت. كان وليد نِعم الرفيق. من تلك الرحلة، تحولنا من اثنين إلى ثلاثة، ثم أربعة، ثم أصبحنا مجموعة.
هنا ولدت فكرة الفريق.. فكرة ألهمني الله إياها ليتحول "رياض رايدر" الفرد، إلى "فريق رياض رايدر". بدأ الفريق يكبر بسرعة، وانضم إلينا أعضاء من كل أنحاء التراب الوطني، برحلات وتوثيق لا يتوقف على مدار السنة.
تجاوز المحن.. والقادم أعظم
مع اتساع الفريق، كثرت التحديات والمشاكل. لكن مع الوقت اكتسبت حنكة أكبر، ورزقني الله برجال وسند حقيقي، على رأسهم "عاشور مسعود"، الذي أثبت ولاءه وتضحيته مراراً وتكراراً، ليصبح نائبي المستحق منذ صيف 2023.
تعرض الفريق لمحاولات انشقاق وانقلابات، لكن بفضل الله، ثم بفضل حنكتي في القيادة ووقوف الرجال المخلصين صفاً واحداً، لم نسقط. كل ضربة كانت تزيدنا صلابة وتماسكاً.
"اليوم، نحن نملك أكبر مجموعة فيسبوك للدراجات في الجزائر، ومتابعين من أوروبا وأمريكا وآسيا، وأعمالاً وثائقية حصرية. ورغم أننا لا نملك أحدث المعدات حتى الآن، إلا أننا بالإرادة والعزيمة فرضنا وجودنا وتاريخنا في ساحة الميكانيك الجزائرية.. والقادم، بلا شك، سيكون أعظم."

