هل فشلت سياسة غلق الاستيراد في الجزائر؟ قطاع الدراجات النارية نموذجاً للاحتكار المقنّع

RIADRIDER
المؤلف RIADRIDER
تاريخ النشر
آخر تحديث

سياسة غلق الاستيراد في الجزائر: بين حلم السيادة الاقتصادية وواقع "الاحتكار" وخنق المستهلك

بقلم: [riadrider] | تاريخ النشر: 2026

لطالما سعت الجزائر في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ بداية العهدة الأولى للرئيس عبد المجيد تبون في أواخر 2019، إلى تطبيق سياسة اقتصادية حمائية صارمة. الشعار المرفوع كان جذّاباً: "كبح فاتورة الاستيراد، حماية احتياطي الصرف من العملة الصعبة، وتشجيع المنتج المحلي ليكون بديلاً حقيقياً".

لكن اليوم، وبعد مرور سنوات على هذا الانغلاق التجاري شبه الكلي، يطرح الشارع الجزائري والمختصون سؤالاً جوهرياً: هل نجحت هذه السياسة فعلاً في خلق نسيج صناعي محلي؟ أم أنها تحولت إلى غطاء لـ "الاحتكار" وباب خلفي للاستيراد المقنع على حساب جيب المواطن البسيط؟


1. الإطار القانوني: كيف أُغلقت الأبواب؟

لم يكن غلق السوق مجرد قرار شفهي، بل تم عبر ترسانة من القوانين والآليات البيروقراطية التي خنقت حركة التجارة الخارجية، ومن أبرزها:

  • المرسوم التنفيذي رقم 21-94: الذي عدل شروط ممارسة نشاط استيراد المواد الأولية والبضائع الموجهة لإعادة البيع على حالها، وفرض قيوداً تعجيزية على المستوردين وتخصصاتهم.
  • منصة الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية (ALGEX): والتي تحولت من أداة لترقية الصادرات إلى "مصفاة" لمنع وتأخير منح تراخيص الاستيراد والتوطين البنكي.
  • الرسم الإضافي المؤقت الوقائي (DAPS): وهو رسم جمركي إضافي يتراوح بين 30% إلى 200% فُرض على مئات السلع لمنع دخولها بشكل غير مباشر.

2. الأرقام بين لغة الإحصائيات وواقع الأسواق

إذا نظرنا إلى الأرقام الرسمية، نجد أن الحكومة تفتخر بخفض فاتورة الاستيراد من مستويات تفوق 60 مليار دولار سنوياً في العقد الماضي إلى حدود 35 إلى 38 مليار دولار في السنوات الأخيرة. هذا الانخفاض وُصف بأنه "إنجاز تاريخي".

لكن الجانب المظلم لهذه الأرقام يتجلى في الآتي:

  • ارتفاع التضخم: غياب المنافسة أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمصنعة محلياً بنسب تتراوح بين 50% إلى 150% نتيجة قلة العرض ومحدودية الإنتاج المحلي.
  • انتعاش السوق الموازية للعملة (السكوار): أدى تضييق الخناق على المستوردين الرسميين إلى لجوء الكثيرين لاستيراد السلع عبر طرائق غير رسمية (الكابا)، مما حافظ على الفارق الضخم بين السعر الرسمي للدينار وسعره في السوق السوداء.

3. قطاع الدراجات النارية: المثال الأبرز على "الاستيراد المقنّع"

يعتبر سوق الدراجات النارية في الجزائر نموذجاً حياً ومؤسفاً لنتائج سياسة "التركيب المحلي زيفاً". بعد غلق الاستيراد المباشر للدراجات الجاهزة، احتكرت شركتان أو ثلاث شركات السوق بالكامل تحت مسمى "التصنيع والتركيب المحلي".

الواقع يكشف خدعة كبرى يعرفها القاصي والداني: هذه الدراجات تأتي مفككة بالكامل من الخارج (غالباً من الصين) تحت نظام (CKD/SKD)، ويتم تركيب العجلات والمقود محلياً في ورشات لا تتعدى نسبة الإدماج الحقيقية فيها 5% إلى 10% (مثل صباغة الهيكل أو البطارية فقط). ورغم ذلك، تُباع للمواطن الجزائري بأسعار خيالية.

مقارنة بين واقعين:

المؤشر الاستيراد المباشر (الملغى) التركيب المحلي الحالي (المحتكر)
عدد الفاعلين في السوق عشرات الوكلاء والمستوردين (منافسة شرسة) شركتان إلى ثلاث شركات فقط (احتكار تام)
السعر للمستهلك مقبول ومتناسب مع الجودة العالمية تضاعف بمقدار 2 إلى 3 مرات لنفس الموديلات القديمة
نسبة الإدماج الحقيقية لا توجد (استيراد مباشر شفاف) شبه منعدمة (استيراد مقنع بغطاء تركيب)
جودة المنتج خيارات متعددة بمعايير أمان دولية خيارات محدودة جداً وتكنولوجيا متقادمة

*ملاحظة: الدراجة النارية التي كانت تباع بـ 15 إلى 20 مليون سنتيم، تجاوز سعرها اليوم 45 إلى 60 مليون سنتيم بسبب هذا الاحتكار المقنن.

4. لماذا فشلت نظرية "الغلق من أجل النهوض"؟

الخطأ الجوهري في المقاربة الاقتصادية المتبعة هو "وضع العربة قبل الحصان". لا يمكنك غلق الاستيراد لحماية المنتج المحلي قبل أن يكون لديك منتج محلي حقيقي قادر على تلبية 50% على الأقل من احتياجات السوق وبجودة مقبولة.

غلق السوق المفاجئ والصارم أدى إلى:

  1. خلق ريع احتكاري: استفادت منه فئة قليلة من رجال الأعمال الذين ضمنوا بيع منتجاتهم الرديئة بأسعار مرتفعة لغياب البديل.
  2. غياب الحافز للتطوير: طالما أن المصنع المحلي لا يواجه منافسة أجنبية، فلن يجهد نفسه لرفع نسبة الإدماج أو تحسين الجودة.
  3. ضرر مباشر على المواطن: الذي أصبح يدفع ثمن "تجارب فشل صناعي" من قوته اليومي وقدرته الشرائية المستنزفة.

5. الحلول البديلة: نحو اقتصاد منفتح وذكي

إن إعادة فتح السوق الجزائري ليس تراجعاً أو استسلاماً، بل هو ضرورة تصحيحية لإنقاذ القدرة الشرائية وإعادة التوازن للاقتصاد. الحلول المقترحة تشمل:

  • الفتح التدريجي والموجه: السماح باستيراد السلع التي لا نملك فيها إنتاجاً محلياً حقيقياً (مثل المركبات والدراجات النارية والدواء والعتاد التكنولوجي) بضرائب جمركية مدروسة.
  • فرض دفتر شروط حقيقي لنسب الإدماج: منع أي شركة تدعي "التركيب" من العمل ما لم ترفع نسبة الإدماج المحلي إلى 40% في ظرف 3 سنوات مع تفتيش ميداني صارم للورشات والتحقق من سلاسل التوريد.
  • تشجيع المنافسة وكسر الاحتكار: فتح المجال لشركات أجنبية مباشرة للاستثمار والتصنيع، فالمنافسة هي التي تحسن الجودة وتخفض الأسعار، وليس الحظر الإداري.

شاركنا برأيك في التعليقات: هل ترى أن الوقت قد حان لفتح الاستيراد بالكامل؟ أم أنك تدعم استمرار غلق السوق مع تشديد الرقابة على شركات التركيب؟

تعليقات

عدد التعليقات : 1